أبي هلال العسكري

34

تصحيح الوجوه والنظائر

وقرئ : بعد أمه ، أي : بعد نسيان . وقيل : إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ، أي : جماعة معدودة ، بأنه ليس فيها من يؤمن ؛ فإذا صارت كذلك أهلكت بالعذاب . السادس : قوله تعالى : أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [ سورة النحل آية 92 ] ، يعني : قوما يكونون أربى من قوم ؛ أي : أكثر عددا ، ومنه الربا ؛ لأنه زيادة في أصل المال . ومثله : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً [ سورة الحج آية : 34 ] . أراد أنه جعل لكل أمة من الأمم التي خلت فيها الرسل منسكا ؛ وهو الذبائح التي كان أمرهم أن يتقربوا بها إلى اللّه - ونتكلم في ذلك فيما بعد إن شاء اللّه - ولم يرد جميع الأمم ؛ لأنه لم يجعل للمجوس وعباد الأصنام مناسك « 1 » . السابع : الإمام ، قال اللّه تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً [ سورة النحل آية 120 ] . أي : إماما يقتدى به في الخير . وقيل الأمة : الرجل العظيم ، وسمي بذلك ؛ لأنه يؤم في الحوائج ؛ أي : يقصد .

--> ( 1 ) لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة ، والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد ، أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا . والمنسك الذبح وإراقة الدم ، قاله مجاهد : يقال : نسك إذا ذبح ينسك نسكا . والذبيحة نسيكة ، وجمعها نسك ، ومنه قوله تعالى : " أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ " ( 1 ) [ البقرة : 196 ] . والنسك أيضا الطاعة . وقال الأزهري في قوله تعالى : " وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً " : إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع ، أراد مكان نسك . ويقال : منسك ومنسك ، لغتان ، وقرئ بهما . قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين ، الباقون بفتحها . وقال الفراء : المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر . وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي . وقال ابن عرفة في قوله : " ولكل أمة جعلنا منسكا " : أي مذهبا من طاعة اللّه تعالى ، يقال : نسك نسك ( 2 ) قومه إذا سلك مذهبهم . وقيل : منسكا عيدا ، قاله الفراء . وقيل : حجا ، قاله قتادة . والقول الأول أظهر ، لقوله تعالى : لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ أي على ذبح ما رزقهم . فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له ، لأنه رازق ذلك . ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالاله واحد لجميعكم ، فكذلك الامر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له .